حسن الأمين

196

مستدركات أعيان الشيعة

ذروة الصراع تولى « مشير الدولة » رئاسة الوزارة والمجلس النيابي ، المجلس الرابع ، في آخر أيام مدته . ولم يحضر « مشير الدولة » جلسة واحدة هي آخر جلساته ، عقدت في 7 ذي القعدة سنة 1341 ه‍ . ق . الموافق 1 تير سنة 1302 ه‍ . ش . والمجلس الجديد ، المجلس الخامس ، لم يجتمع بعد ، والانتخابات لم تكتمل في بعض الولايات . وما انتهى منها كان لتدخل العسكريين أثر في تعيين نتائجه . ومن ثم لم تكن انتخابات حرة . وإن كان المجلس المنتهي قد منح ثقته للوزارة الجديدة فان المجلس المقبل غير معلوم رأيه . وفي تلك الحقبة كان « رضا خان » قد بلغ غاية بعيدة من القوة والاقتدار . فالشاه والمجلس ورئيس الوزارة مضطرون إلى مداراته وتحمله والرضوخ لأوامره مع أنهم جميعا كارهون له موقنون بأنه لا يضمر لهم خيرا . وكان « رضا خان » يتغيب أحيانا عن اجتماع الوزراء وينيب أحد رجاله عنه . وحضر نائبه هذا يوما جلسة وزارية . وفي أثناء البحث أغلظ الكلام ل « مشير الدولة » ولوح له بوجوب تنحيه عن رئاسة الوزارة . وكان من عادة الملوك القاجاريين أن يعهدوا بولاية أذربيجان إلى ولي العهد وتكون إقامته في عاصمتها تبريز كل مدة ولاية عهده . ولكن « محمد حسن ميرزا » أخا « أحمد شاه » وولي عهده لم يتيسر له السفر إلى أذربيجان والاستقرار فيها حسب السنة المتبعة بسبب غيبته في أوروبا بعد انقلاب سنة 1299 ه‍ . ش . ثم اضطراره بعد ذلك إلى البقاء في طهران نائبا عن الشاه بعد سفر هذا إلى أوروبا . وفي عهد وزارة « مشير الدولة » هذه تقرر أن يسافر ولي العهد إلى أذربيجان حسب السنة المتبعة . وصدر مرسوم ملكي بذلك . وهيئت وسائل السفر وعينت الحاشية التي ترافقه ، وعين موعد السفر رسميا . وفي الموعد المعين خرج الشاه لوداع ولي عهده ، وخرج رئيس الوزارة وغيره لوداعه أيضا ، وإذا بوزير الحربية « رضا خان » يبلغ الشاه والوزراء بلهجة تهديد أنه غير موافق على سفر ولي العهد ويضطرهم إلى إيقاف سفره . وعاد ولي العهد إلى بيته . وبعدئذ عاتب الشاه « رضا خان » على هذا العمل ، فأجابه بان صاحب الجلالة لم يستشرني في موضوع تعيين ولي العهد لولاية أذربيجان . ولو أنه استشارني لما وافقت عليه لأني لا أرى فيه صلاحا . اعتقال قوام السلطنة كان « رضا خان » يطوي طريقه إلى غايته خطوة خطوة بعزم راسخ وبصيرة نافذة وذكاء خارق وجرأة نادرة . وفي 27 صفر سنة 1342 ه‍ . ق . الموافق 16 صهر سنة 1302 ه‍ . ش . أقدم على عمل جريء جدا كان خطوة حاسمة في تقرير مصيره . فقد أمر بجلب رئيس الوزارة الأسبق « قوام السلطنة » إلى وزارة الحربية ثم أمر بتوقيفه في السجن . وحجته في ذلك اكتشاف جمعية إرهابية سرية أنشأها « قوام السلطنة » غايتها اغتيال « رضا خان » . ونظم المحققون في هذه القضية محضرا مطولا مفصلا ذكروا فيه أن تحقيقهم في بعض حوادث الإخلال بالأمن أدى بهم إلى اكتشاف هذه الجمعية . ويحلل بعض المؤرخين ( 1 ) هذه الواقعة على هذا النحو : كان « قوام السلطنة » خصما قويا ل « رضا خان » فأراد إبعاده عن ميدان السياسة الإيرانية . فيتخلص منه من جهة ، ويرعب خصومه الآخرين من جهة أخرى . ولم يكن « رضا خان » يخشى معارضة السوفيات والإنكليز لابعاده ، بل كان يعلم أن إبعاده يرضيهم . فالسوفيات غير راضين عنه ويعدونه خصما لهم . ولهم على ذلك أدلة ، منها قطعه ، يوم كان رئيسا للوزارة ، مفاوضات كانت جارية بينهم وبين إيران لعقد اتفاقية تجارية كانت ضرورية للاتحاد السوفياتي وأمور أخرى يأخذونها عليه . وكانت إذاعة موسكو تنتقد سياسة « قوام السلطنة » وتعدها مضرة بالاتحاد السوفياتي . والإنكليز أيضا غير راضين عن « قوام السلطنة » لأنه سعى سعيا مثمرا إلى تحقيق التوازن بين تطلعات السياسة الأجنبية في إيران ، فادخل في ميدان السياسة الإيرانية منافسا جديدا للانكليز هو أميركا . فقد منح امتياز استخراج نفط الشمال لشركة أميركية واستقدم خبراء أمريكيين للعمل في بعض الوزارات . وكان « رضا خان » مرضيا عنه عند الإنكليز والسوفيات كليهما . أما الإنكليز فيظهر رأيهم فيه من تقريري السفير الانكليزي اللذين أرسلهما إلى نائب الملك في الهند ووزير خارجية بريطانيا . وقد مر ذكرهما . وأما السوفيات فان مقاومة « رضا خان » ل « قوام السلطنة » قد قربت « رضا خان » إليهم إذ عدوه خصما لخصمهم . وكان « رضا خان » قد أحكم صلته بزعماء اليسار من الإيرانيين ، ومنهم النائبان « سليمان ميرزا » والسيد « محمد صادق الطباطبائي » . وهؤلاء كانوا على صلة دائمة بالسفارة السوفياتية . وقد أقنعوا السفير بحسن نوايا « رضا خان » . ( 2 ) بل يذهب هذا المؤرخ إلى أبعد من ذلك . فيؤكد أن « رضا خان » عرض في السر على السفارة السوفياتية موضوع اعتقال « قوام السلطنة » فوافقوه ، وشجعوه على اعتقاله . ويذكر أن السفير السوفياتي زار عند غروب اليوم الذي سبق يوم اعتقال « قوام السلطنة » الزعيم الاشتراكي النائب السيد « محمد صادق الطباطبائي » ، وهو من أشد خصوم « قوام السلطنة »

--> ( 1 ) حسين مكي في كتابه « تاريخ بيست سأله إيران » ( عشرون سنة من تاريخ إيران ) . ( 2 ) ذكرنا فيما تقدم بعض ما كتبه أبو القاسم لاهوتي الذي كان في تلك الأيام شيوعيا عريقا في شيوعيته ثم ارتد بعد ذلك بزمن عن الشيوعية - ذكرنا بعض ما كتبه في مذكراته عن أحداث تلك العهود ، ونشر هنا شيئا آخر مما كتبه . قال لاهوتي في الصفحة 41 : « إن تولي رضا خان الحكم قد غير في الواقع هذه الحالة تغبيرا تاما بحيث يمكن من الجهة الواحدة اعتبار مجيئه للحكم كرد فعل قوي أمام ملوك الطوائف . ومنه الجهة الثانية كحركة تحريريه للأحرار ضد الاستعمار . وعلى كل فقد استقر الرأي النهائي على أنه لما كان جهاز الحكم القاجاري الفاسد لا بد من انهياره فان هذا التحول يعتمد في حد ذاته خطوة نحو هدف الاشتراكية . وكنا في الوقت نفسه نغذي الروح العدائية للانكليز نسعى لنشرها بين الناس وكان موظفونا في إيران يشيعون بين الشعب أن المعارضين لرضا خان هم خدمة الاستعمار البريطاني . وصدرت الايعازات إلى الحزب الشيوعي الإيراني بوجوب تأييد رضا خان كما أوعز إلى أحس موظفينا في إيران سليمان ميرزا اسكندري وكان يومئذ نائبا في البرلمان أن يتخذ التدابير اللازمة في هذا الشأن وقد تسلم اسكندري بواسطة أخيه عباس اسكندري مبالغ طائلة من منظمة ( كي . بي . أو ) وكان يدفع قسما منها إلى النواب الذين يتعاونون معه . لم يكن سليمان ميرزا اسكندري على وفاق مع رضا خان ولهذا كان ينفذ الأوامر الصادرة إليه مكرها وعلى كل فقد صوت وخمسة عشر نائبا لرضا خان فتم بذلك انتخاب رضا خان ملكا على إيران « .